اليوم الإثنين 29 مايو 2017 - 10:48 مساءً
أخر تحديث : الأربعاء 21 مايو 2014 - 4:47 مساءً

نداء إلى كل صاحب ضمير حي… حماه الله ولد حنن

نداء إلى كل صاحب ضمير حي… حماه الله ولد حنن
قراءة بتاريخ 21 مايو, 2014

 عظيمٌ هو ديننا وساميةٌ هي تعاليمه، وإن كثيرا من أبناء جلدتنا لفي أشد الحاجة إلى معرفة تعاليم ديننا الحنيف التي تضع ضوابط معاملة بعضنا لبعض وكذلك مع أعدائنا..

فربنا الذي أمرنا بدعوة أعدائه وأعدائنا إلى هذه التعاليم السماوية السامية أمرنا إن أبوا وأعرضوا بأخذ الجزية منهم وأن لا نقاتلهم.. ثم إن أبوا بعد هذا قوتلوا حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون أو يدخلوا في دين الله ويستسلموا لهذه التعاليم السماوية السامية..

فربنا الذي أمرنا بهذه الأوامر نهانا عن مقاتلة من لم يبدأنا بالقتال ولم يظاهر غيره من أعداء الدين علينا..

وربنا الذي أمرنا بمقاتلة من بدأنا بالقتال يأمرنا بالإحسان على من وقع في الأسر من أعدائنا لأنه زال عنه وصف المقاتل ولم يبق له حول ولا طول، فبعد قول الله تعالى إنه أعد للكافرين سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا يقول: إن الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا، ومن هم هؤلاء الأبرار؟ فقال في وصفهم: [يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)].. [الإنسان: 9].

يقول آب ولد أخطور الجكني رحمه الله في تفسيره أضواء البيان فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، جَمْعُ أَصْنَافٍ ثَلَاثَةٍ:

الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ غَالِبًا، أَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ الْأَسِيرُ فَلَمْ يَكُنْ لَدَى الْمُسْلِمِينَ أَسْرَى إِلَّا مِنَ الْكُفَّارِ، وَإِنْ كَانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً إِلَّا أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.

وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا فِي الْفُرْسِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَسَاقَ قِصَّةَ أَسَارَى بَدْرٍ.

وهؤلاء الأسارى بعد وقوعهم في الأسر، لم يبق لهم حول ولا طول. فلم يبق إلا الإحسان إليهم.

ثم تأمل معي أيها القارئ الكريم هذه القصة الذي رواها الإمام البخاري من حديث أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟»

فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟»

قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الغَدِ، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟»

فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلاَدِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ العُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ، قَالَ: لاَ، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلاَ وَاللَّهِ، لاَ يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ، حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

هذا هو ديننا الذي نرفع به رؤوسنا وندعو  كل المعرضين عنه إلى التمسك بتعاليمه والتخلق بأخلاقه، فهلا قام العلماء والفقهاء ببيان بعض ما أمرهم الله ببيانه وقالوا لكل حكام المسلمين إذا كان الله يأمركم بالإحسان إلى أسارى الكفار الأصليين فمن باب أولى أن تحسنوا إلى من في سجونكم من شباب ودعاة المسلمين..

أليس هذا من تعاليم الإسلام وأخلاقه؟

أم أن الكافر أولى بالإحسان من المسلم؟

وإني لأعجب كل العجب مما يدعوا إليه علماء وفقهاء بلادنا وغيرهم أليس في دينهم هذه التعاليم؟

أم أنها نسخت بغيرها من قوانين دولية وأعراف إنسانية؟

لا والله، بل إن الأعراف الدولية والمواثيق العالمية تحرم وبشدة ما يفعله حكام المسلمين بمن في سجونهم من شباب ودعاة المسلمين الذين دفعتهم الغيرة على الدين إلى التمسك بكل تعاليم الدين رغم كراهية النفس لبعض تعاليمه ورغم أخذ الكثيرين من خواص الأمة وعلمائها بالرخص والله المستعان…

أيها العلماء والدعاة ألم تقرؤوا قول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري من حديث أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” فُكُّوا (خلصوا) العَانِيَ، يَعْنِي: الأَسِيرَ (قَالَ ابْن الْأَثِير: والعاني الْأَسير وكل من ذل واستكان وخضع فقد عَنَّا)، وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ “..  وفكاك الْأَسير فرض على الْكِفَايَة، قَالَ ابْن بطال: على هَذَا كَافَّة الْعلمَاء..

قَوْله: (وأطعموا الجائع)، عَام يتَنَاوَل كل جَائِع من بني آدم وَغَيرهم، وإطعام الجائع فرض على الْكِفَايَة..

بالله عليكم يا أصحاب الضمائر -حية كانت أو شبه ميتة- أليس أبناء المسلمين في سجون حكام المسلمين من بني آدم؟

أو ليسوا وجوعا؟

وإنك لتعجب أيها القارئ الكريم رغم ما يفعل بهذه الأمة من قتل وتشريد وسجن مصداقا لقوله تعالى: [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)].. [الأنفال: 30]. رغم هذا وغيره كثير، فإن قصص القابضين على الجمر في كل بلاد المسلمين لشيء يثلج صدور الغيُر على هذا الدين ويغيظ الكافرين والمنافقين، بل إن مراكز الدراسات الاستراتيجية في الغرب والشرق لتحذر من تزايد اعتناق الكافرين الأصليين للإسلام…

وفي هذه الظروف التي تمر بالمسلمين في الشام والجزيرة العربية ومصر والعراق وأفغانستان والشيشان وغيرها من البلدان التي تئن تحت ضربات الكافرين والمنافقين كما قال الشاعر:

فالكافرون تكاتفوا في بغيهم ** وتعاونوا في قتلنا وتبار

والمسلمون تناحروا في عيشهم ** وتقاتلوا فجُمُوعهم أشذار

ما بين جبار على إخوانه ** وعلى العدو تَخُونه الأمصار

أسد عليَّ وفي الحروب نعامة ** يقتادها الرعديد والثرثار

كان لزاما علي أن تستوقفني – كما هو حال الكثيرين في هذه البلاد – حادثة وفاة الأخ معروف ولد الهيبه رحمه الله بعد سجنه الرهيب في “تازمامارت مورتانيا” هو وإخوانه الثلاثة عشر وبعد معاناة طويلة مع المرض وصراع مع سجانيه لا من أجل البقاء والمكاسب المادية ولكن أحسبه أنه في سبيل الخلود والحرية ورد عادية الظالمين.. ولإن مات معروف فإن معروفَه لم يمت وقيمه كذلك ودمه إنشاء الله نار ونور…

مات أو قتل ولد الهيبه رحمه الله وكان لا بد أن يموت، ورغم ظروف سجنه لكسر عزيمته وتحطيم إنسانيته إلا أنه حفظ القرآن الكريم كاملا وأعاد حفظه أربع مرات كما تقول زوجته في إحدى رسائله، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على صدق نيته وأصالة معدنه..

فتى ماتَ بين الضربِ والطعنِ ميتةً ** تقومُ مقامَ النصرِ إذْ فاتهَ النصرُ

فتًى كانَ عَذْبَ الرُّوحِ لا مِنْ غَضاضَةٍ ** ولكنَّ كبراً أنْ يقالَ به كبرُ !

وفي نهاية هذه الإطلالة أخاطب الغيُر من أصحاب الضمائر من الجيش ومراكز القرار والنفوذ والسياسيين خصوصا في بلادنا، إنكم إن قلتم كلمة حق ترفعون بها الظلم عن من تبقى من أبناء المسلمين في سجن “تازمامارت مورتانيا” الرهيب إنما تفعلون ذلك من أجل الحفاظ على ما تبقى من كرامتكم وهيبة مؤسساتكم العسكرية والقضائية… وإلا فلا !!!

وإني إذ أخاطبكم من خلال هذا المقال وعبر وسائل الإعلام ليس ذلك من أجل معارضة نظام أو تشويه سمعة آخرين، ولو تيسر لي النصح مباشرة لفعلت دون نشر هذا المقال في الإعلام الذي يركب كل صغيرة وكبيرة… وما فعلت ذلك إلا من أجل المحافظة على ما بقي لي ولكم من كرامة لأني أعلم أن ضمير الإنسان لا يموت إلا بموته…

وأضيف أيضاً أن الكفار الأصليين من الغرب والشرق مجمعون على أن من يفعل هذا بأخيه الإنسان فهو ضد الإنسانية وليس له حظ من الكرامة أو يقظة الضمير…

فكيف بمن يفعل ذلك بأبناء جلدته )  أو أبناء وطنه( ؟

ودليل ذلك ما جاء في شهادة أحمد المرزوقي – أحد الضباط الناجين من سجن تازمامارت المغرب – أن صديق ومستشار الحسن الثاني الفرنسي “جان دانيل” – مدير جريدة le nouvel observateur  – ساءت علاقتهما بسبب انتقاد الأخير لما يفعل بالإنسانية في سجن تازمامارت الرهيب وطلبه المتكرر بإطلاق سراح من بقي فيه من السجناء..

وأختم بهذه الأبيات من قصيدة للأخ معروف رحمه الله أرسلها لابنته الزهراء التي لم تبلغ بعد عشرة سنين ولما قرأتها بكت بكاء مريراً:

لهيبُ الشوق أرَّقـني ** فبات الدمعُ منهمـرا

وبات القلب في كمـد ** وظلَّ الطرف منكسرا

أحاول أن أرى طيفاً ** لأحيـي العيد منتصرا

تُرى يا عيدُ هل ألقى ** بك الزهرا فأفتخرا

ونلبس من قشيب الثـو ** ب، والزهرا بدت قمرا

يظل نهارنا صفوا ** مع الأحباب لا كدرا

كأن بنيتي ألقت ** إلـيَّ رسالة قدرا

تقول أبي تصبر إنَّ ** خير القوم من صبرا

سيخلفك الإله فلا ** تخف بأساً ولا ضررا

قضينا العيد بعدك في ** فراق كان قد عسُرا

ولكن ربنا الرحمن ** يسره لنا يسرا

لبسنا أحسن الثياب ** ظاهرنا به الدُررا

فقد جبر الإله لأهلك ** العظم الذي كُسرا

 

كبته الفقير لرحمة ربه حماه الله ولد حننه

إمام جامع عبد الله ابن المبارك وأستاذ جامعي

18 رجب 1335 هـ

الموافق 19 مايو 2014 م

أوسمة :
الزيارات 551 .