اليوم الإثنين 29 مايو 2017 - 10:45 مساءً
أخر تحديث : الثلاثاء 10 يناير 2017 - 10:57 مساءً

ضمير للبيع

ضمير للبيع
قراءة بتاريخ 10 يناير, 2017

لم يستطع رواد موقع المزادت الشهير eBay إخفاء دهشتهم وهم يشاهدون إعلاناً لرجل أمريكي يعرض ضميره للبيع، بدأ الرجل مزاده بدولار واحد، وحينما وصل السعر إلى عشرين دولار وخمسين سنت، قرر أصحاب الموقع إلغاء الإعلان، وكانت الأسباب التي ذكروها أنهم غير متأكدين من أن البائع يملك بالفعل السلعة التي يبيعها، وأنه قادر حقاً على تسليمها للمشتري!.

قد يبدو الإعلان مدهشاً من الناحية النظرية، غير أنه من الناحية العملية أمر غير باعث للدهشة على الإطلاق، فمن يبيعون ضمائرهم من حولنا كثر، وربما كنا نحن أحد هؤلاء!

قد يبدو الإعلان مدهشاً من الناحية النظرية، غير أنه من الناحية العملية أمر غير باعث للدهشة على الإطلاق، فمن يبيعون ضمائرهم من حولنا كثر، وربما كنا نحن أحد هؤلاء!

فبيع الضمير ليست عملية واعية، إنها تبدأ منذ اللحظة التي يقرر فيها أحدنا أن منظومة القيم التي يؤمن بها، والسلوكيات التي ينتهجها، والمحاذير التي يتبناها باتت واهية، وأن زحزحتها قليلاً يمكن أن يوفر مزية ما أو مكسب محتمل.

نفعل هذا في جانب من حياتنا، ومن ثم تبدأ اللعبة في الدوران، وبشكل تدريجي نصبح غير آبهين بصحة ما نفعله، المهم هو الغاية التي نريدها، بغض النظر عما دفعناه من ثمن لها.

مشكلتنا الحقيقية مع الضمير أنه يقوم بدور الرقيب، وحينما نغافله قليلاً يلعب دور الموبخ، فيمنعنا من الاستمتاع بما اختلسناه من لذة أو منفعه، وعليه بتنا نتعامل معه على أنه خصم لنا، غير أن أكبر مشكلة فعلاً تتأتى من محاولاتنا المستمرة لخداع ضميرنا، قبل أن ننظر له مؤكدين أنه سبب مشاكلنا وأزماتنا.

في هذه الحالة ينزوي، يضعف، استمرار تحديه جعله خافت الصوت، وصارت نسبة موته كبيرة، وصار تحركنا بعيداً عنه مأساة حقيقية، ورحلة ضياع غير آمنة على الإطلاق.

وهل هناك أسوء من امرء كل خياراته مفتوحة، ولا يتوارى عن المضي في طريق لا يهتم كثيراً بمدى أمانه، ولا توافقه مع الإرادة العليا وحقوق العباد!

ذات يوم أخبر النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، أتباعه بأنه ما عاد يخشى عليهم من فكرة الكفر الصريح، لكنه يخشى ما سماه “محقرات الذنوب” تلك الهفوات والسقطات الصغيرة المتتابعة، تلك التي لا ننتبه لها، ولا تستفز الضمير كي يقوم بعمله بشدة، تتسلل تلك المحقرات واحدة تلو أخرى فتصيب ضمائرنا ـ جهاز المناعة النفسي ـ بالوهن، وتقف كحجر عثرة أمام أي عودة محتملة إلى أرض الصواب.

من هنا كان استغراب الناس ممن طرح ضميره للبيع بالجملة! ـ عبر الإعلان السابق ذكره ـ غير أنهم لن يستغربوا حين تباع الضمائر من حولهم بالتجزئة!.

فهذا يبيع جزء من ضميره حين يقرر ظُلم زوجته، المجتمع لا يرى في هذا ثمة جريمة، تلك أمور شخصية من الفضول المقيت أن ننظر لها أو نقف عندها كثيراً.

وذاك يبيع جانب من ضميره ويفتح درج مكتبه ليتلقى ما اصطلح المجتمع على أنه “إكراميات” ظروف الحياة الصعبة هي التي تدفع لذلك، هكذا نبرر سوء السلوك.

وآخر لا يجد حرجاً من أن يصفق لظالم ما دامت مصلحته تجري في نفس الاتجاه، وغيره لا يتقي الله فيما يطعمه لأهل بيته..

بيع للضمائر بالتجزئة فلا حرج عليهم إذن!، بيع مبرر يجب أن نتفهمه!

بلا شك الشر في دنيا الناس موجود منذ القدم وفي كل المجتمعات، والقوة النفسية للخلق متفاوتة، غير أن الأزمة تبدو كارثية حينما يكون الأصل في مجتمع من المجتمعات هو هوان الضمير الشخصي والجمعي على أصحابه، حينها تصبح الغربة شديدة، والأزمة النفسية طاحنة لمن قرروا أن يتمسكوا ببقاء ضمائرهم حية ويقظة على طول الخط.

من هنا ندرك قيمة رسائل السماء، ولماذا كان الاهتمام الأول لجميع الرسل والانبياء منصباً على جانب الضمير وأهمية تقويته وتعهده باستمرار من أن تصيبه البلادة أو “الران” كما جاء في القرآن الكريم.

وندرك كذلك جانب من عظمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين ينبهنا إلى خطورة أن يسحبنا المناخ العام كي نكون جزء من بلادة الضمير الجمعي محذراً أن يكون أحدنا (إمعة .. يحسن حين يحسن الناس ويسيء حين يسيء الناس) وإنما شدد على قيمة أن يكون المرء منا مبادراً محسناً حتى وإن كان المناخ العام يسير في اتجاه غير محمود، كما نوه إلى أهمية أن تكون حالة الممانعة النفسية قائمة حتى وإن ضاقت سبل الممانعة الجسدية بقوله ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقبله، وهذا أضعف الإيمان)، ومبلغ العظمه في هذا الحديث يكمن في التشديد على ألا يمر المنكر أو السوء على النفوس مر الكرام، بلى قد لا تتوفر سبل الضغط المباشر، لكن لا يمكن أبداً أن يكون هذا مبرراً إلى قبول السوء وتمريره دون أن نشيح بوجوهنا بعيداً!.

سمعت يوماً أحد الأطباء على شاشة التلفاز وهو يُصرح بلهجة بائسة محذراً من تلوث الهواء والطعام والماء: “لو كشفنا على قلوب وأكباد المصريين لهالنا ما سنراه”، حسنا، وماذا لو كشفنا عن ضمائرهم أيضاً؟!

هذا يبيع جزء من ضميره حين يقرر ظُلم زوجته، المجتمع لا يرى في هذا ثمة جريمة، تلك أمور شخصية من الفضول المقيت أن ننظر لها أو نقف عندها كثيراً.

أنا لست في معرض محاسبة الناس واتهامهم، لكن ما نحن فيه حقاً من شقاء يحتاج إلى أن ينظر كل منا إلى ضميره نظرة فاحصة، زيارة مفاجئة إلى داخله، فأغلب الظن أن ما سنراه سيصيبنا بحزن يفوق حزننا على ضعف القلب وتهالك الكبد.

لقد جربنا أشياء كثيرة، فلنقم إذن بتلك الزيارة المؤجلة إلى دواخلنا، علها تحل معادلة الكآبة التي تحيط بنا، وتعيد الاتزان ـ أو جزء منه ـ إلى أرواحنا، وتؤجل عملية البيع إلى أجل غير مسمى!

كريم الشاذلي

أوسمة :
الزيارات 579 .