اليوم السبت 25 مارس 2017 - 5:53 صباحًا
أخر تحديث : الإثنين 30 مارس 2015 - 10:24 مساءً

إضراب الشمال… وصراع السماسرة بقلم: أحمدو / مباركو

شهد القطاع المنجمي في مدينة ازويرات منذ أكثر من شهرين، إضرابا عماليا  اختلف الفاعلون في تحديد نسبه الحقيقية، تلاه في الأيام القليلة الماضية، إضراب مجموعة أخرى من عمال نفس القطاع في مدينة انواذيبو.

وبما أن هناك طائفة كبيرة من العمال لم يضربوا فقد استطاعت الشركة أن تحافظ على إنتاجها اليومي من الحديد الخام ثم شحنه وإرساله عبر قواربها الخاصة إلى مدينة انواذيبو وتفريغ حمولته للسفن الراسيات هناك لتتولى الأخيرة مهمة نقله وتسويقه في الخارج .

 

هذا ما جعل معظم الناس يتابعون باهتمام  وقلق كبيرين ما تساقط وتطاير هنا وهناك من أخبار مدن الشمال علها تشي بأذان فجر صادق يتردد صداه من مئذنة الشركة الوطنية للصناعة والمناجم ، فتؤم في فريضة  فجرها الساطع جميع العمال وهم يصتفون خلفها متراصين في مشهد مهيب يعيد الوئام ويبدد الأوهام .

لكن رياح أصحاب سياسات التفرقة العرجاء ، الذين وصلو مؤخرا إلى ميدان  إضراب  مدينة المناجم جرت بما لم تشتهيه سفن شواطئ انواذيبو التي ظلت بعيدة كل البعد قرابة خمسة عقود ونيف عن السياسة وتجاذباتها الخرقاء، فلم تتعود سوى أن ترسو فتحمل وتبخر عباب البحار لترسو هناك مرة أخرى في أسواق الحديد على شواطئ أوروبا ، ثم تعود إلينا بالمال الوفير.

لاحظنا الاهتمام  الكبير والمتزايد الذي تعطيه بعض الأحزاب السياسية المتخندقة في الصف المعارض لتداعيات الأزمة في الشمال ، كما لاحظنا مدى التنافس والصراع القائم بين هذه الأحزاب في السبق إلى تبني مطالب المضربين ومحاولة توجيهها، كل حسب الذي يخدم رغبته ونواياه، ثم لاحظنا كذلك الحملة الإعلامية الهائجة والزائدة المبالغ فيها أقصى المبالغة التي حظي بها موضوع الإضراب وما دار في فلكه من طرف هؤلاء السماسرة المرجفون ، حتى وصل الأمر في بعض الأحيان إلى التحريض وزرع الكراهية بين العمال وبين إدارة الشركة.

وتحقيقا لهذا الغرض تم استغلال وتجنيد مجموعة كبيرة من المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي التي دأب أصحابها على إسكات أصوات صرير أمعائهم بما ينشرون وما يسوقون ، إضافة إلى بعض القنوات الخصوصية المشهود لها بالفشل والارتزاق، لإدارة تمرير هذه الحملة الظالمة العمياء ضد شركة المناجم وزرع ما تدعو إليه في أذهان العامة وإقناعهم به.

هكذا أججت المعارضة نار الفتنة في مدينة ازويرات  بين إدارة الشركة الوطنية للصناعة والمناجم ـ اسنيم ـ وبين عمالها المضربين المخدوعين والمغرر بهم من طرف ساسة لا يتقنون سوى سياسة التفرقة وتأزيم المواقف ، وركبت دون خجل  كل الأمواج المتلاطمة في بحر صراع  هائج  هي من خلقه  بحملات التنكر  والمغالطات المستمرة من طرفها ، أزمت الوضع العام حتى غدا كليل بهيم لا يعرف طريقه إلا النور ، حاولت تصدير الأزمة إلى بقية المناطق الأخرى ، فقال أحد المتكلمين ـ حتى لا أقول الخطباء وهو يتسلق أعلى منصات مهرجانات الإضراب،  أن مدينة ازويرات ستكون بداية التحرير وستكون الانطلاقة منها وبعدها ستثور جميع مدن موريتانيا ،

هذا الكلام ليس غريبا إذا سمعناه من فوق منصة مهرجان سياسي يحاول صاحبه استمالة الناس وتزييف الحقائق كي يتبعوه حتى يتسنى له تنفيذ مخططه الذي يريد،

لكنه خطير ومؤسف حقا إذا صدر من منصت إضراب عمالي يتظاهر أصحابه بأن لديهم مطالب عادلة ويريدون رد حقوقهم المغتصبة، كما يدعون لا كما يعتقدون.

من المؤسف كذلك أن يطالعنا أحد ممثلي النقابات العمالية ليقول  ـ ورائحة السياسة تفوح من أنفاسه  وتنبعث من بين حروف كلماته ـ ، أنه كان يجب على الشركة أن تضع تقارير عامة بين كافة عمالها تثبت الأسعار والقيمة الحقيقية  التي تبيع بها الشركة خامها في الأسواق العالمية حتى يتسنى للعمال الإطلاع التام على جميع مدا خيل الشركة  كي يقبلوا بتحديد الأجور على ذلك الأساس ، يريد أن يفرض على الشركة إنشاء مفتشية عمالية  تراقب مبيعاتها  وتسير مدا خيلها ضاربا بالدولة وجميع أجهزتها الرقابية عرض الحائط.

نسي النقابي أن الشركة الوطنية للصناعة والمناجم هي أكبر شركة تعتمد عليها الدولة الموريتانية في الموازنة العامة التي تخصص الدولة على أساسها نفقات كل قطاع ، وأنها وبغض النظر عن كونها أكبر مشغل بعد الدولة، تعول عليها الدولة كذلك في دعم وتمويل المشاريع التنموية التي تقوم الحكومة بتنفيذها في شتى مناحي الحياة ، وما مؤسسة اسنيم الخيرية وما تقوم به من دعم وتمويل مواكب لعملية الإنماء التي تشغل الدولة وتهم المواطن الهش إلا مثالا ناصعا على ما نقول

ثم إن النقابي نسي أيضا أو تناسى أن ما يربط العامل بالشركة هو عقد عمل وليس عقد شراكة ، وبالتالي فإنه من غير الوارد  ممارسة العامل لأي دور رقابي على الشركة التي يعمل فيها هذا من جهة .

من جهة أخرى يحسن التنبيه إلى أن عقود العمل الموقعة من طرف العاملين والشركة المشغلة لهم تمتلك حصانة قانونية لا يجوس المساس بما أدرج فيها من حقوق  مادام العامل ملتزما بما يفرضه عليه العقد من التزامات وواجبات إزاء الشركة  ، ولا يمكن للشركة أن تغمط العامل أي حق من الحقوق الواردة في صلب هذه العقود .

فالعقد كما هو معروف شريعة المتعاقدين ، ومعنى ذلك أن ما تم إدراجه في وثيقة العقد الموقع من طرف العامل ورب عمله ، هو وحده المناط الذي يصلح لأن يكون أساسا للحق والالتزام ، أما ما عدى ذلك فلا يصلح أن يكون مشمولا بهذا المعنى .

شخصيا أعتقد أن الإضراب الذي يشهده القطاع المنجمي هذه الأيام لا يتوفر على الشروط التي تخوله أن يكون إضرابا مشروعا ، ذلك أن سبب الإضراب لم يقترن نهائيا بالمطالبة  بأي حق من الحقوق  الأصلية  التي يكون مركزها العقد والمصانة للعامل بقوة القانون ، بل كان أساس سببه ادعاء من طرف المناديب وسائسيهم أن الشركة تنكرت لاتفاق أبرموه معها في شهر مايو من العام الماضي 05/2014  بشأن زيادة الأجور ، وبغض النظر عن كون السقف الزمني الذي تم الإتفاق عليه لما يحن بعد ـ حيث كان من المنتظر تنفيذ الالتزام في 20 فبراير 2015 ـ حسب اعتراف المناديب ـ وهو ما سبقه الإضراب بحوالي شهر تقريبا ، إلا أن هذا الإتفاق أو الالتزام وحده لا يمكن أن يكون سببا في إضراب العمال بشكل مطلق  وغير محدد ، خصوصا وأن الشركة أوضحت بما فيه الكفاية للعمال وللرأي العام أن السبب في عدم تمكنها من الوفاء بالإلتزام هو انخفاض أسعار الحديد في الأسواق العالمية ، وقد أدى ذلك بشكل طبيعي إلى نقص حاد في عائدات أرباح الشركة ، يدعم هذا القول أن الشركة في السنوات الثلاثة الماضية منحت عمالها مجموعة من الزيادات المعتبرة على أجورهم بلغت في مجملها نسبة 35 وذلك حين كانت الأمور تسير على طبيعتها .

إن ضياع  الشركة الوطنية للصناعة والمناجم ـ اسنيم ـ ومحاولة الحد من إنتاجها ولو ليوم واحد ـ  ستكون له بدون شك آثار سلبية على الدولة وعلى الشركة وعلى العمال .

 فمساهمة الشركة في الميزانية العامة للدولة وكونها  شريان حياة موريتانيا والعمود الفقري للاقتصاد الوطني،  والرمزية التاريخية التي تعنيها بالنسبة للمواطن ، إضافة إلى حساسية وأهمية دور الشركة  وسمعتها عالميا ، كل هذا يحتم على الفاعلين في الشركة جميعا إدارة  وكوادر وعمالا أن يلعنوا لغة التعصب ويركنوا إلى لغة العقل والمنطق ، وأن يحاولوا إخراج الشركة من دائرة صراع لي العظم إلى بر أمان منطق المصلحة والصلح ، كما أنه يجب على العمال كل العمال أن يقفوا صفا واحدا في وجه سماسرة الفشل السياسي الذين مردوعلى اقتناص وتحين فرص الشقاق وتحويله إلى ميدان نخاسة وسخ يضر بالعمال ويسيء إليهم أكثر مما يساعد في صناعة الحلول.

أوسمة :
الزيارات 3٬608 .